بقلم... أ. د. لطفي مَنْ صور أَظَلومُ إنَّ مُصابَكُم رَجُلًا

بقلم... أ. د. لطفي مَنْ صور

أَظَلومُ إنَّ مُصابَكُم رَجُلًا
......................
أَهْدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
أَتَيْتُ بِهَذا الْبَيْتِ لِارْتِباطِهِ بِقِصَّةٍ نَحْوِيَّةٍ طَريفَةٍ، وَقَعَتْ في قَصْرِ الْخَليفَةِ الْواثِقِ بِاللَّهِ تاسِعِ الخُلَفاءِ الْعَبّاسِيِّينَ (ت ٢٣٢هج) تَقُولُ الْقِصَّةُ: بَيْنَما كانَتْ إحْدَى قَيْناتِ الْواثِقِ الْمَشْهوراتِ تَعْزِفُ وَتُغَنِّي ذلِكُمُ الْبَيْتَ، بِحُضُورِ الْخَليفَةِ وَحاشِيَتِهِ، وَفيهِمْ الأُدَباءُ وَالنُّحاةُ وَالْعْلَماءُ، اِعْتَرَضَ أَحَدُهُمْ الْقَيْنَةَ وَقالَ: لَقَدْ لَحَنْتِ، إنَّما هُوَ رَجُلٌ بِالرَّفْعِ وَلَيْسَ رَجُلًا بِالنَّصْبِ. فَصاحَتِ الْقَيْنَةُ قائِلَةً: هَكَذا لَقَّنَنٍي شَيْخي أبو عُثْمانَ الْمازِنِيُّ،،وَكَثُرَ الْهَرْجُ وَالْمَرْجُ قِسْمٌ يَقولُ بالرَّفْعِ ، وآخَرونَ يَقُولونَ بِالنَّصْبِ والْجارِيَةُ تُلِحُّ وَتُؤَكِّدُ ما عَلَّمَها شَيْخُها الْمازِنِيُّ.
سَأَلَ الْخَليفَةُ: مَنْ هُوَ المازِنِيُّ؟ فَأَجابُوهُ: هُوَ واحِدُ زَمانِهِ في النَّحْوِ. فَقالَ الْخَليفَةُ: عَلَيَّ بِهِ كَما هَوَ.
قالَ المازِنِيُّ: لَنْ أنْسَى أنا وَأهْلِي ما أَصابَنا مِنَ الرُّعْبِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حِينَ طُرِقَ عَلَيْنا الْبابُ، وَقَدْ مَضَى هَزِيعٌ مِنَ اللَّيْلِ ، وَسَمِعْتُ صَوْتَ الْجَلاوِزَةِ يُنادُونَ، فَهُرِعْتُ لِأَعْرِفَ ما الْأَمْرُ. فَأمْسَكُوا بي، وَقالُوا: أَنْتَ مَطْلُوبٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَما أَنْتَ، فَرَجَوْتُهُمْ أَنْ أُوَدِّعَ أهْلي لِأَنِّي تَيَقَّنْتُ أَنِّي لَنْ أَعُودَ إلَيْهِم، فَخُصُومي في الْعَقائِدِ كَثِيرونَ، فَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلِي، وَسارُوا بي مُسْرِعِينَ إلى الْخَليفَةِ حَتَّى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ أصابَتْني الرَّعْدَةُ، فَنَظَرَ الْواثِقُ إلَيَّ مُبْتَسِمًا وَقالَ: هَدِّئْ يا شَيْخُ مِنْ رَوْعِكَ! أَتَيْنا بِكَ لِتَحْكُمَ في مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ اِخْتَلَفَ فِيها النُّحاةُ، فَسَكَنَ رَوْعِي، وَأَنْشَدَ أَحَدُ النُّحاةِ الْبَيْتَ، وَهُوَ الْيَزِيدِيُّ صاحِبُ الْأَمالي اليزِيدِيَّةِ، فَرَفَعَ "رَجُلًا" عَلَى أنَّها خَبَرُ إنَّ، فَخَطَّأَهُ أبو عُثْمانَ، وَقالَ رَجُلًا مَفْعولًا بِهِ مَنْصُوبًا بِمُصابَكُم وَهُوَ مَصْدَرُ أَصابَ وَيَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: سَرَّنِي وُصُولُ الْمُعَلِّمِ الْكُتّابَ. أمَا تَرَى أَنَّ الْكَلامَ لا يَنْتَهي بِ "رَجُلًا" وَيَبْقَى مُعَلَّقًا إلى كَلِمّةِ "ظُلْمُ" التي هِيَ خَبَرُ إِنَّ. فَاسْتَحْسَنَ الْواثٍقُ قَوْلَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِجائِزَةٍ، وَرَدَّهُ مُكَرَّمًا إلى بَيْتِهِ.
والمازِنِيُّ أبو عُثْمانَ هُوَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ، وَعاشَ في بَغْدادَ، كانَ نَحْوِيًّا مُتَكَلِّمًا(يُجيدُ عِلْمَ الْكَلامِ، وَهُوَ الدِّفاعُ عَنِ الْعَقائِدِ الدِّينِيَّةِ بِالْأَدِلََةِ الْعَقْلِيَّةِ أَيْ بِالْمَنْطِقِ) وَهذا ما تَقولُ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكانَ صاحِبَ مُؤَلَّفاتٍ أَشْهَرُها كِتابُ التَّصْرِيفِ، وهوَ منْ زِينَةِ مَكْتَبَتِي.
أمّا بَيْتُ الشَِعْرِ فَهُوَ الثّامِنُ مِنْ قَصِيدَةٍ ضَمَّتْ تِسْعَةَ أَبْياتٍ لِلشّاعِرِ الْعَرْجِيِّ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهُ ابنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وَنُسِبَ بِالْعَرْجِي نِسْبَةً إلَى الْعَرْجِ، وهوَ ماءٌ ونَخِيلٌ قُرْبَ الْمَدينَةِ كانَ يَسْكُنُ فيهِما.
الْعَرْجِي شاعِرٌ فَحْلٌ غَزِلٌ، مِنْ شُعَراءِ المدينَةِ
(ت ١٢٠ هج) طُبِعَ ديوانُهُ في دار صادر ، بَيْروت ١٩٩٨م.
وَلِجَمالِ القَصيدَةِ أَذْكُرُ أَبياتًا منها: مِنَ الْكامِل
أَقْوَى مِنْ آلِ ظُلَيْمَةْ الْحُزُمُ
فَالْغَمْرَتانِ فَأَوْحَشَ الْخَطْمُ
(أَقْوَى: خَلا؛ الْحُزْمُ: الْغَليظُ الْمُرْتَفِعُ الْكَثِيرُ الْحِجارَةِ مِنَ الْأرْضِ ؛ ظُلَيْمَةُ: تَصْغِيرُ ظَلُومَ صاحِبَةِ الشَّاعِرِ؛ الْغَمْرَتانِ وَالْخَطْمُ: أسْماءُ أَمْكِنَةٍ)
وَبِما أرَى شَخْصًا بِهِ حَسَنًا
في الْقَوْمِ إذْ حَيَّتْكُمُ نُعْمْ
(بِهِ: الضَّميرُ يَعُودُ إلَى مَكانِ ظُلَيْمَةَ؛ ونُعْمُ اسْمٌ آخَرُ لِظُلَيْمَةَ)
إذْ وُدُّها صافٍ وَرُؤْيَتُها
أُمْنِيَةٌ وَكَلامُها غُنْمُ
(إذْ ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنَى حِينَ أوْ وَقْتَ؛ وُدُّها صافٍ: حُبُّها صادِقٌ؛ غُنْمُ: غَنِيمَةٌ وَمَكْسَبٌ، هكذا يَفْهَمُ الْعاشِقُ كَلامَ صاحِبَتِهِ)
هَيْفاءُ مَمْلُوءٌ مُخَلْخَلُها
عَجْزاءُ لَيْسَ لِعَظْمِها حَجْمُ
(هَيْفاءُ: رَقيقَةُ الْكَشْحِ؛ الْمُخَلْخَلُ: مَكانُ الْخَلْخالِ مِنَ السّاقِ؛ الْعَجْزاء: مُمْتَلِئَةُ الرِّدْفَيْنِ ، وَالْعَجْزاءُ مِنَ الْعَجِيزَةِ وهيَ الْقَفا، ولا تُقالُ إلّا لِلْمَرْأَةِ)
وَكَأَنَّ غالِيَةً تُباشِرُها
تَحْتَ الثِّيابِ إذا صَفا النَّجْمُ
(الْغالِيَةُ: أَخْلاطٌ مِنَ الطِّيبِ وَالْمِسْكِ؛ تُباشِرُها: تَفوحُ مِنْها. يَقُولُ إنَّها طَيِّبَةُ الرّائحَةِ عِنْدَ الْمَساءِ، عِنْدَما تَفْسُدُ رائِحَةُ الْأَفْواهِ)
أَظَلُومُ إنَّ مُصابَكُمْ رَجُلًا
أَهْدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
(أَظَلُومُ: الهمزَةُ أداةُ نِداءٍ لِلْقَرِيبِ، ظَلُومُ: عَلَمٌ مُؤَنَّثٌ مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ في مَحَلِّ نَصْبِ لِفِعْلٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ أُنادي؛ تَحِيَّةً نائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، أَيْ سَلَّمَ تَحِيَّةً.
البلاغَةُ: في هذا البيْتِ رُدَّ الْعَجُزُ “ظُلْمُ” عَلَى الصَّدْرِ “ظَلُومُ”، وهو مِنْ أرْقَى مَواضيعِ الْبَلاغَةِ الْمُسَمَّى “رَدُّ الْأَعْجازِ عَلَى الصُّدورِِ)
نَفْهُمُ مِنْ هَذِهِ الْحِكايَةِ أَنَّ تُجّارَ الإماءِ كانُوا يُعِدُّوهُنَّ لِلْغِناءِ والْموسيقَى، وَيُعَلِّمُوهُنَّ الْأَدَبَ وَالشِّعْرَ وَالْقَصَصَ، كَثَقافَةٍ تَحْمِلُها فَيَزيدُ ثَمَنُها، وَيَزيدُ رِبْحُ النَّخّاسِينَ.
تَمَّتْ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

✿✿✿✿((لاتيأسْ))✿✿✿✿ بقلم...عدنان الحسيني

رحيل عبر الأثير... بقلم... دنيا اليوسف

بقلم...فؤاد جاسب ليس جرما