بقلم... أ.د. لطفي منصور طَلَّةٌ عَلَى جَمالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ:
بقلم... أ.د. لطفي منصور
طَلَّةٌ عَلَى جَمالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ:
.................
حَدِيثِي مَعَكُمُ الْيَوُمَ عَنْ إِخْوَةٍ ثَلاثَةٍ، كانُوا أُدَباءَ وَشُعَراءَ وَمُؤرِّخينَ وَفُقَهاءَ، تَرَكوا بَصَماتِهِمْ عَلَى الثَّقافَةِ الْعَرَبِيَّةِ في الْقَرْنَيْنِ السّادِسِ والسّابِعِ الْهِجْرِيَّيْنِ. هَؤلاءِ الإخْوَةُ هُمْ:
- مَجْدُ الدِّينِ أبو السَّعادات ابنُ الأثير (ت ٦٠٦ هج): أشْهَرُ مُؤَلَّفاتِهِ "مَنالُ الطّالِبِ في شَرْحِ طِوالِ الْغَرائبِ". وَهُوَ في الحديثُ النَّبَوِيِّ وشَرْحِهِ. وَلَهُ أَيْضًا كِتابُ “النِّهايَةُ في غَريبِ الْحَديثِ” في خمسةِ مُجَلَّدات. وَكُلُّهُ في لِسانِ الْعَرَبِ. فَإذا قالَ ابنْ منظورٍ: “وفي الْحَديثِ” فَإنَّهُُ يعني كتابَ النِّهايَةِ فَاعْرِفْهُ!
- ًعِزِّ الدِّين عَلِيُّ بْنُ الأثير المُؤرِّخ: أهَمُّ كُتُبِهِ "الكاملُ في التَّاريخ" وَهُوَ أهَمُّ كِتابٍ في تاريخِ الإسلامِ في العُصُورِ الوُسْطَى، طُبِعَ في أوروبا، وأُعيدتْ طِباعَتُهْ الْأَنيقَةُ في (دار صادر - بيروت) في ثَلاثَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا مَعَ الْفَهارِسِ الكامِلَةِ. وَيُعَدُّ من أهَمِّ مَصادِرِ تاريخِ الإسْلام القديم، اسْتَوْعَبَ تاريخَ الطَّبَري، وزادَ عليهِ أخبارَ أكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ مِائَةِ سَنَةٍ، وعاصُرَ المؤَلِّفُ في شَبابِهِ صَلاحَ الدِّينِ.
- ضِياءُ الدِّين بنُ الأثير (ت ٦٣٧ هج) وهو أديبٌ وَشاعِرٌ وَكاتِبْ. وَأشْهَرُ كُتُبِهِ "الْمَثَلُ السّائِر في أدَبِ الْكاتِبِ والشّاعِرِ" في أربعةِ مُجَلَّدات، وَهُوَ كِتابٌ مشْهورٌ عند الدّارِسينَ والْمُحَقِّقينَ.
وُلِدَ الإخْوَةُ الثَّلاثَةُ في جَزيرَةِ الفُراتِ، وهي المِنْطَقَةُ الشَّمالِيَّةُ الشَّرْقِيَّةُ مِنْ سورِيا، وَلِهذا أُطْلِقَ عَيْهم لَقَبُ الْجَزَرِيِّينَ، نَقولُ: ابنُ الأثير الُجَزَرِي. وَأَصْلُهُم مِنْ قَبائلِ شَيْبانَ التي سكنَتْ جَنوبَ العِراقُ، وكانَ لَهُمْ ذِكْرٌ كَبيرٌ في الفُتوحِ، مِثْلُ المُثَنَّى بنِ حارِثَةَ الشَّيْباني بَطَلِ مَعْرَكَةِ الْجِسْرِ عَلَى الفُراتِ، والقائِدانِ الْعَبّاسِيّانِ مَعْنُ بنُ زائِدَةَ الشَّيْباني، وابْنُ أخيهِ يَزيدُ بنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبانِيُّ.
انْتَقَلَ الإخْوَةُ مِنَ الْجَزيرَةِ إلَ مَدينَةِ الْمَوْصِلِ وعاشوا في بَذَخٍ في قَلْعَتِها يَكْتُبونَ وَيُؤلِّفونَ.
وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الْمُناسِبِ أنْ أَخْتارَ لَكُمْ قِطْعَةًً من إنْشاءِ الأديبِ ضِياءِ الدِّينِ بنِ الأثيرِ، في وَصْفِ الْقَلَمِ وَقُوَّتِهِ في الخطوبِ، اقْتَبَسْتُها من كتابِهِ "المثَلُ السّائِرُ" (ج٢: ٣٥يَقًولُ:
"وَمِنْ ذَلِكَ ما ذَكَرْتُهُ في فَصْلٍ مِنْ كِتابٍ إلَى ديوانِ الْخِلافَةِ في بَغْدادَ،
وَقَلَمُ الدِّيوانِ الْعَزيزِ هُوَ الَّذي يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ الْمُطاعُ، لِجَدْعِ أَنْفِهِ وَسَوادِ لِباسِهِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِطاعَةِ الْحَبَشِيِّ الأَجْدَعِ، وَمِنْ أَحْسَنِ صِفاتِهِ أنَّ شِعارَهُ مِنْ شِعارِ مَوْلاهُ، فَهُوَ يَخْلَعُ عَلَى عَبيدِهِ مِنَ الْكَرامَةِ ما يَخْلَعُ.
في هَذِهِ الأوْصافِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ حَسَنَةٌ. وَمِنْها مَعْنًى غَريبٌ لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلي "إِنَّهُ الْمُطاعُ لِجَدْعِ أَنْفِهِ وَسَوادِ لِباسِهِ، وَقَدُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِطاعَةِ الْحَبَشِيِّ الْأَجْدَعِ” فَإنَّ هذا مِمّا ابْتَكَرْتُهُ.
وَهُوَ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ في ذِكْرِ الطّاعَةِ وَالْجَماعَةِ، فَقالَ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ: “أَطِعْ وَلَوْا عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا ما أَقامَ عَلَيْكَ كِتابَ اللَّهِ”.
(ما هَذِهِ هي الزَّمانِيَّةِ التي معناها الدَّيْمومَةُ)
فَاسْتَخْرَجْتُ أنا لِلْقَلَمِ مَعْنًى مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَلَمَ يُجَدَّعُ وَيُقَمَّصُ لِباسَ السَّوادِ، فَصارَ حَبَشِيًّا أجْدَعَ “.
(يُجْدَعُ أيْ في الْبَرْيِ)
الأجْدَعُ هو الذي قُطِعَتُ أَرْنَبَةُ أَنْفِهِ عِقابًا أوْ عَلامَةً يُعْرَفُ بِها، وخاصَّةً في الْعبيدِ خَوْفًا مِنَ الأَبَقِ.
انتَهَى.
تعليقات
إرسال تعليق