- هذيان- بقلم... حسن عموتا

 - هذيان-

بقلم... حسن عموتا

.......................

في زمان ما، ومكان ما، حتم علي حضور جنازة احد أفراد عائلتي..لا أتذكر من هو، ومن هي عائلته..أتذكر فقط ذلك الحي بزقاقه الضيقة، وألوان واحهات المنازل التي تبعث عن الانزعاج والحزن بحكم تراكم الغبار على جدرانها..كنت منزعجا شيئا ما من كثرة الحضور الذي يتبين على أوجههم نوع من الحزن والانزواء.
غريب ان يرحل الانسان تاركا وراءه اسرارا مدفونة، وكنوزا لا مرئية لعيون المتطفلين..غريبة هي الدنيا في تسليل زمنها الرهيب..تارة تقذفك نحو أمواج التيه، وتارة تبتسم لك بعيون ماكرة..كم هو عجيب أمرك ايتها اللعينة المخادعة، تنتصرين في بعدك النهائي للموت، وكأننا أثقلنا موازينك بوجودنا.
حضرت الى منزل الراحل بما يقارب نصف ساعة على موعد نقل الراحل الى المقابر، لا أتذكر ذلك بالتفصيل..جلست مع العزاء على المقاعد المخصصة للرجال..كنت احاول تذكر صورة الراحل، ارتباطاتي به، لكن ثغرا كبيرا يحول دون ذلك، تصفحت وجوه الحاضرين..تتقاذفني الأوجه في هذه الزقاق..بين تلك التي يعلوها قناع التشفي، وبين أخرى تعاند حرقة الفراق..هذا التعدد يخنق انفاسي، يجعلني أنفر من ذاتي،ويرهق خلايا تفكيري.
كنت افكر في جدوى هذه الحياة التي تعطينا كل شيء رغم أننا لا ندرك معناه..سرحت بي الذاكرة الى متاهاة،اسرح متمعنا في ملامح كل الشخصيات دون ان أتذكر وجوههم الشاحبة.
هذا الحشد الذي ملأ كل فراغات الزقاق،نبهني الى شيء لم أكن متفرغا ليثير انتباهي..ربما صخب الحياة، وقوة وثيرة اليومي تنتزع مني معطف التدقيق..اغتال داخلي لحظات التوهج في فضاءات لا تريح في شوق الرحيل..أشياء تمر بذهني، هل الرحيل لحظة انسحاب هادىء أم هو اشراقات لتجدد خرافي، ولوجود أبدي داخل ذوات اقتسمنا فيها حضورا يشع بأحلام طفولية.
بعد هذا التيه، ثارني حضور امرأة عجوز، تعاند عمرها لتتمكن من حضور الجنازة، مصحوبة بفتاتين، يساعدنها على الوصول لمنزل الراحل..أحسست بحضورهما بدون تلك العجوز قبل أن أكون رأيتهما، انبثقت تلك التي كانت تضع نظارات سوداء على عينيها التي ازدادت غموضا، غموض بجلبة مجمع التائهين..انتزعت تلك النظارات، فتبين أن وجهها مشع، ونظرتها منفتحة على فساحة الافق، لم أعرف لماذا تساىعت دقات قلبي، وتقوى خفقانه كلما اقتربت أكثر. كان الشعور بثقل هذه اللحظات ذو أهمية قصوى..أدركت أنني افتتنت بجمالها الخارق، ووجهها الدائري الساكن تحت خصلات شعرها الأسود المنسدل بحرية، وجسدها المنسجم الراقص، كأنه ظل يرقص عل نغمات الجاز.
لم أكن انظر الى الناس الاخرين، ولا اسمع أصواتهم أو كلماتهم، أصبحت منشغلا بكل حركة تقوم بها تلك الفتاة النتغنجة، المزهوة بحركات جسدها الراقص، كنت أتابع كل حركة تصدر عنها، وكان يخيل الي أنني أسمع نبضات قلبها، شعرت بان هذا المشهد يعنيني أنا وأنا فقط. شعرت ان تلك الفتاة لم تأت الى الجنازة لتقدم العزاء، بل جاءت لتبحث عني، وتسلمني مفاتيح قلبها.
ازدادت دقات قلبي، عندما فهمت ذلك، لحظة خوف أو غضب أعتمت ذهني، وجعلتني أتتبع حركاتها بخجل، لم أكن أيتطيع الانتظار، ولم أكن أقوى على تحمل ذلك.
انهارت قواي عندما التفتت نحوي ، وأزالت نظاراتها ، فازداد اشعاعها تحت خيوط أشعة الشمس مثل انارة خشبة مسرح. كم كانت جميلة ومشعة مثل منحوتة برسم شفتيها، ولمعان وجنتيها..أحسست أن صدرها يعلو وفق ايقاع تنفسها، ويتطابق مع ايقاع تنفسي.
كانت اشياء وصور تمر، ترحل، تنزلق لتملأ عالما أخر وحياة اخرى. بقيت واقفا متجمدا، أحسست أن سعادة استثنائية تغمرني، نظرت الي بشكل فاتن، وابتسمت عيناها لي، وكانها تقول لقد وجدتك..تحركت شفتاها، فأحسست أنها نبست لي باسمها، كانت شفتاها تتحرك بشكل غجري، وتكتب ايمها بدواخل قلبي..اسمها*جسر*، ثم خطت بسرعة داخلة منزل تلعزاء، دون ان تترك لي لحظة للتعبير عن ما يخالجني.
لم أعد أعرف لماذا أنا هنا في هذا المكان المليء بالحركة، اختلطت أحاسيسي بين الحزن على فراق الشخص الذي رحل عن عالمنا، تاركا وراءه كل هذه الفضاءات المعتمة، وبين فرح لقائي بهذه الفتاة التي أحيت في دواخلي كل الأجزاء الميتة، وجعلت قلبي يخفق بمثل هذا الهيجان، وكأنما يسعى الى الانفلات من قفصه..كان اسمها جسر، فاعتبرته الحسر الذي يربطني بالجانب الاخر من نفسي، ويهدم حدود الزمن غير المنتظمة..جعلني ألتقي بذاتي من جديد،لأكتشف أن لا شيء في تغير.
ما أغرب هذا المكان، وما أبشع هذه الحياة، عندما تعيش هذه اللحظة، لحظة فراق وتجلي، فراق غير منتظر لشخص محبوب ، وتجلي ذات أخرجت من دواخلي حب الحياة..بسمة عينيها الغارقتين في السواد، استحوذت علي، وجعلت أطرافي ترتعش دون مراعاة لهذا الحشد من الناس، الذي لا يشعر الا بوحشة القبر والانتقال الى عوالم اخرى غرائبية.
أردت ان اتبعها، لكنني لم استطع..دقات قلبي تزداد بسرعة اكبر، بسبب أصوات هؤلاء الرجال، ووجوههم الشاحبة..تذكرت نظرتها بتلك ااعينين الواسعتين اللامعتين، تلك النظرة التي تدعوك الى دفىء جسدها الرشيق الفاتن.
انتظرتها طويلا..وبعد انطلاق الجنازة، بدى كل شيء غريبا ، ويبعث على الغثيان...حشد كبير يحمل الراحل الى مثواه الاخير بخشوع، وكانهم يتملقون للسماء بأن تتركهم في هناء..تسمرت رجلاي في مكانها دون أدنى حركة، خرت قواي بشكل ذريع، ولم أعد أقوى على التحرك، شيء ما ألصقني بالارض..انتابني دوران خفيف، وهناك بعيدا، صوت هامس يدعوني للجلوس، ربما كان يعلم بأنها ستخرج من المنزل بوجهها الملائكي لتضمني بدفىء جسدها المتماقل.
فعلا قواي لا تسمح لي بمصاحبة ذلك الموكب الجنائزي الرهيب والغريب في نفس الوقت، كان يتحرك ببطء وسط أصوات تقشعر اها الأجساد..جلست في ركن قرب الباب، منتظرا اطلالتها المشعة، كنت موزعا بين ادراك الرحيل الاخير ، وابتسامة مشرقة من تلك الفتاة الجميلة ذات الجيد الرائع..انتظرت كثيرا، مشتت الذهن، خروجها ، اطلالتها، لكنها خذلتني، وتركت في دواخلي هيجانا وقلبا يبحث عن الانفلات من جسدي، ليصعد للسماء الزرقاء المزركشة بغيمات متناقرة، راسمة لوحات فنية متعددة الأوجه والقراءات.
بعد حين تراءى لي في الأفق جسر كتلك الجيور التي تظهر في الأفلام الغرائبية ذات التوجه الفونتازي، جسر كله أضواء بألوان مختلفة، تحيل على ألوان قوي قزح،كان يسرح في ضباب لا متناهي..فجأة ظهرت تلك الفتاة بفستانها الأبيض الناثع على الجسر، وهي تسير بخطى متتاقلة، وبتغنج انقوي رابع..فركت عينب، فاتضحت لب صورتها..كانت تخطو بخطوات راقصة، وتلتفت من حين لاخر مبتسمة تلك اللتيامة الغجرية.
كنت أشتم رائحة جسدها القرنفلية..كانت تلك الابتساظات تدعوني الى احتضان جسدها الظمان..لكنني كنت عاجزا عن الوقوف، من كثرة الخوف الذي أعتبره سلاحب الأخير.
كانت تخطو فوق ذلك الجسر العجائبي بخطوات ساحرة، مبتسمة من حين لاخر، مرة ابتسامة بعينيها، مرة بشفتيها ورة بجسدها..كلما تقدنت في الخطو، كان الجير يهوي من وراءها، تاركا غبارا يحجب جزءا من جسدها..كانت تتقدم بخطى قابتة، بدون خوف من مصيرها المجهول..تداخلت في عقلي خطواتها الرصينة، وابتساماتها الساحرة الرائعة، مع صورة الموكب الجنائزي الذي يتجه نحو النهاية المحتومة والحقيقة المطلقة.
كنت اعرف انني لن اراها بعد اليوم..او لن تبتسم لي بعد هذه اللحظة...الجسر يتهاوى خلفها ، والغبار يتطاير في الفضاء حاجبا ذلك الجيد الغجري المشرق اللامع. لم يبق في الافق سوى عينيها العسليتين، اللتان سكنتا في اعماقي. وفي لحظة غمزت لي بعينها اليمنى، وتساقطت اخر دمعة منها..دمعة كانت كشلال متلألأ اخفى كل ذلك الغبار، فاصبح الافق ناصعا ببياضه، ونور شمسه التي تستعد لارحيل.
و هناك بعد الدفن، تفرق الحشد مودعا جسدا عاش بيننا، وتبادل معنا حرقة الحياة والموت.
ذلكم هذياني في لحظة انفلات الحياة من جبة الموت، فلا هذيان لمن لا يفرغ ذاته مساء، ليعيد ملأها بهذيان ذوات اخرى حالمة.
حسن عموتا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

✿✿✿✿((لاتيأسْ))✿✿✿✿ بقلم...عدنان الحسيني

رحيل عبر الأثير... بقلم... دنيا اليوسف

بقلم...فؤاد جاسب ليس جرما