بقلم... أ.د. لطفي منصور دَرْسٌ في الأخْلاقِ:

بقلم... أ.د. لطفي منصور

دَرْسٌ في الأخْلاقِ:
,,,,,,,,,,,,,,,
“لا تَكْذِبْ”
يُرْوَى أَنَّ أَعْرابِيًّا سَمِعَ بِالإسْلامِ وَنَبِيِّهِ إلّا أَنَّهُ لَكِ يُسْلِمْ.
كانَ هذا الأعْرابِيُّ لِصًّا مُحْتَرِفًا، يَسْرِقُ الْمَواشِي، وَيَسْطُو عَلَى بَساتينِ النَّخْلِ في المَدينَةِ، وَيُعاقِرُ الْخَمْرَ، وَيَرْتَكِبُ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، يَأْبَى العَمَلَ، وَكَسْبَ اليَدِ، وَيَرْفُضُ عُروضَ أصْحابِ الأموال أنْ يَعْمَلَ راعِيًا لِلْإبِلِ أوِ الضَّأْنِ ، أوْ قَطْفِ النَّخيلِ وَتَأْبِيرهِ، أوْ سَقْيِ المزروعاتِ والْماشِيَةِ، بِأَجْرٍ يُغْنِيهِ عنْ أكْلِ الحرامِ، وَنَهْشِ أَعْراضِ النّاسِ.
وَكانَ لَهُ عِصابَةٌ يَعْمَلونَ مَعَهُ، رَقَّتْ قُلوبُهُمْ إلَى القُرْآنِ، وَهوَ يُتْلَى مَعَ الْفَجْرِ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ في المدينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَهَداهُمُ إلَى الإسْلامِ، فَوَفَدُوا عَلَى النَّبِيِّ وَأَعْلَنُوا تَوْبَتَهُم وإسلامَهُم، وَأصْبَحوا مِنَ الصَّحابَةِ المُقَرَّبينَ، والتَحَقُوا بِجَيْشِ المُسلمينَ.
بَقِيَ هذا الأعرابِيُّ مُشَرَّدًا طَريدًا لِرَسولِ اللَّهُ، غارِقًا في الإثْمِ والعُدْوانِ، فَلَمّا رَأى أصْحابَهُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الْهَوانِ، تَقَرَّرَ أنْ يَشْفَعُوا لَهْ عِنْدَ النَّبِيِّ، فَوَعَدَهُمْ خَيْرًا إنْ تابَ وَأسْلَمَ، وَأصْلَحَ نَفْسَهُ، فذهبوا إلَيُهِ وهو في أوديَةِ الصَّحْراءِ، فَبَشَّروهُ بِما قالَ النَّبِيَُ، وشَجَّعوهْ عَلَى الْوُفودِ مَعَهُمْ إلَى النَّبِيِّ، فَأسْلَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ الذي مَنَحَهُ ناقَةً مِنْ بَيْتِ مالِ الْمْسْلِمينَ، تَدُرُّ لَبَنًا، وَوَراءَها فَصيلُها.
اشْتَرَطَ النَّبِيُّ عَلَى الأَعْرابِيِّ أنْ يُعاهِدَهُ عَلَى الصِّدْقِ وَأْنْ لا يَكْذِبَ، وأنْ يَفِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لِيَلْتَحِقَ بجيشِ المسلمينَ الذّاهِبِ إلَى تبوكَ (غزوةِ الْعُسْرَة)، وَكَنّاهُ بِأبي الهَيْثَم. والهَيْثَمُ من فَصيلَةِ الصُّفورِ الجارِحَةِ.
رَجَعَ الأَعْرابِيُّ وَأَخَذَتْ بُذورُ الجاهليَّةِ تَنْمُو شَيْئًا فَشَيْئًا، وَأخَذَتْ نَفْسُهُ تُراوِدُهُ عَلَى الْلُّصوصِيَّةِ ثانِيَةً، لَكِنَّهُ أذا هَمَّ بِشَيْءٍ فَماذا يقولُ لِلنَّبِيِّ، وقدْ قَطَعَ عَلَى نَفْسِهِ عَهْدًا أَلّا يَكْذِبَ، والنَّبِيُّ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ وَهوَ بَيْنَ الإقْدامِ عَلَى الإثْمِ، والإحْجامِ عَنْهُ. وفي اليَوْمِ الأخيرِ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِعَزَمَ عَلَى اللَّحاقِ بِالنَّبِيِّ والمِسْلِمينَ، فوَصَلَ الْمدينَةَ فَإذا بِجَيْشِ المُسلِمينَ قَدْ غادَرَها قَبْلَ ثلاثَةِ أَيَّامٍ.
فَسافَرَ وَراءَ الْجَيْشِ، جادًّا بِالسَّيْرِ لَيْلَ نَهارَ، وفي صباحِ أَحَدِ الأَيَّامِ رَأَى الْمُسْلِمونَ غُبارًا في الطَّريقِ انقَشَعَ عَنْ راحِلَةٍ يَرْكَبُها رَجُلٌ. فقالَ النَّبِيُّ مُشيرًا إلَى الرّاحِلَةِ الَّتِي يَلُفُّها الْغُبارُ: كُنْ أبا الْهَيْثَم ذاكَ الأعرابِيَّ.
وَأدْرَكَ الأعرابيُّ الْجَيْشَ، وَرَحَّبَ بِهِ النَّبِيُّ، وكانَ من أبطالِ غَزْوَةِ تَبوكَ.
وهكذا تَغَلَّبَ الصِّدْقُ عَلَى الكَذِبِ. (قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهُقَ الْباطِلُ إنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقا).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

✿✿✿✿((لاتيأسْ))✿✿✿✿ بقلم...عدنان الحسيني

رحيل عبر الأثير... بقلم... دنيا اليوسف

بقلم...فؤاد جاسب ليس جرما