بقلم...أ.د. لطفي مَنْصور خاطِرة:

 بقلم...أ.د. لطفي مَنْصور

خاطِرة:
.....................
يُعٍجِبُني حُسْنُ التَّخَلُّصُ، وَسُرْعَةُ الخاطِرِ، وهذا لا يُتْقِنُهُ إلّا الأذْكِياءُ جِدًّا.
وَيُرْوَى أنَّ النَّبِيَّ (ص) كانَ عَلَى جانِبٍ كَبيرٍ من هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. فَقَدْ حَدَثَ قُبَيْلَ أَحَدِ اللِّقاءاتِ مَعَ المُشْرِكِينَ، أَنْ خَرَجَ النَّبِيُّ مَعَ ثُلَّةٍ مِنْ أصحابِهِ يَسْتَطْلِعونَ قُوَّةَ العَدُوِّ، فَالتَقَوْا مَعَ نَفَرٍ مَجْهولينَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عليهِ السَّلامُ: مَنْ أنْتُمْ؟ فَقالوا عَرِّفونا بِأنْفِسِكُمٍ أَوَّلًا، فَقالَ النَّبِيُّ: أنتُمْ نَفَرٌ قليلٌ، ونَحْنُ أَكْثَرُ مِنْكُمْ أَخْبِرونا نُخْبِرْكُمْ، فَكَشَفَ الْجماعَةُ عَنْ هُوِيَّتِهم، وأنَّهُمْ قادِمونَ من جِهَةِ مَكَّةَ، وَقَدْ رَأَوْا جَيْشَ مَكَّةَ وَحُلَفائِها، وَعَدَّدوا صِفاتِ الجيشِ ، وقَدَّروا عَدَدَ المُقاتلينَ وهكذا أَتَمُّوا كَلامَهُم. ثُمَّ قالوا للنَّبِيِّ: مِنْ أَيٍنَ أنْتُمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ: نَحْنُ مِنْ ماءٍ. وترَكوهم. وَصَدَقَ النَّبِيُّ فالإنْسانُ مِنْ ماءٍ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: الْحَرْبُ خُدَعَةٌ.
وَمِنْ سُرْعَةِ الخاطِرِ ما جَرَى مَعَ أَبي نُواسٍ، فقد هَجا الرَّشيدَ الخليفةَ العَبّاسِيَّ عِنْدَما غَضِبَ عليْهِ فَقَطَعَ عَطاءَهُ، وقالَ:
لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلَى بابِكُم
كما ضاعَ عِقْدٌ عَلَى خالِصَةْ
وخالِصَةُ جارِيَةُ الرَّشيد، كانَتْ فائِقَةَ الجَمالِ، لا حاجَةَ لَها بالزِّينَةِ لِأنَّها مِنَ الْغَوانِي. فَوَصَلَ الهجاءُ إلَى الرَّشيدِ، فَأمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَى الشّاعِرِ، وَأُحْضِرَ إلَى الخليفَةِ، وكانَ أَبو نُواسٍ يَرْتَجِفُ رُعْبًا. فَسأَلَ الرَّشيدُ أبا نُواسٍ عن سَبَبِ الهِجاءِ، فَأَجابَ:
يا أمِيرَ المُؤْمِنينَ معاذَ اللهِ أنْ أَهْجُوَ وَلِيَّ نِعْمَتِي. أنا مَدَحْتُكُم وقلتُ: لَقَدْ ضاءَ شِعْري في الحالتَيْن، فَاقتنَعَ الرَّشيدُ وَرَدَّ عليهِ مكانتَهُ عِنْدَهُ.
فانظروا كيفَ استَغَلَّ أبو نُواسٍ مَخْرَجَ الْحَرْفَيْنِ الهمزةِ والعَينِ الحَلْقِيَّيْنِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ التُّهْمَةِ.
وَمِنْ هذا ما وَقَعَ مَعَ أبي تَمّام عِنْدَما مَدَحَ الخليفَةَ الْمُعْتَصِمِ في قصيدَتِهِ التي مَطْلَعُها:
ما في وُقوفِكَ ساعَةً مِنْ باسِ
تَقْضِي ذِمامَ الْأَرْبُعِ الأَدْراسِ
وَقالَ في مَدْحِهِ:
إقْدامُ عَمُرٍو في سَماحَةِ حاتِمٍ
في حَلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسِ
(عمرو بنُ مَعْديكَرِبَ الزَّبيدي. فارِسِ اليمنِ، وبطَلُ القادِسِيَّةِ؛ حاتمٌ الطّائِيُّ المشهورُ بالْكَرَمِ؛ أحنفُ بنُ قَيْسٍ التَّميمِيُّ المشهورُ بالحِلْمِ وَسَعَةِ الصَّدْرِ؛ إياسُ بنُ مُعاوِيَةَ القاضي، كانَ مِنْ أَذْكَى القُضاةِ، تُنْظَرُ أخبارهُ في كتابِ "أخبارُ القُضاةٍ” لِوَكِيع)
وكانَ مِنَ الحُضُورِ أبو يَعْقوبَ الْكِنْدِيُّ فيلسوفُ الْعَرَبِ، فَقالَ لَهُ: الأَميرُ فَوْقَ ما وَصَفْتَ، ما زِدْتَ إلّا أنْ وَصَفْتَهُ بِأَجْلافِ الْعَرَبِ؟
فَأَطْرَقَ أبو تَمّامٍ بُرْهَةً ثُمَّ قالَ عَلَى البديهةِ:
لا تُنْكِروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دونَهُ
مَثَلًا شَرودًا في النَّدَى وَالْباسِ
فَاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ
مَثَلًا عَلَى الْمِشْكاةِ وَالنِّبْراسِ
فَقالَ الْكِنْدِيُّ: أيُّها الأميرُ أعْطِهِ، فَإنَّ عَقْلَهُ يَأْكُلِ جِسْمَهُ، كَما يَأْكُلُ السَّيْفُ الْمُهَنَّدُ غِمْدَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ ما وَقَعَ مَعَ شاعِرَنا الكبيرِ أبي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي، عِنْدَما أنشَدَ سَيْفَ الدَّولَةِ قَصيدَتَهُ التي عاتَبَهُ فيها التي مَطْلَعُها:
وا حَرَّ قَلْباهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
وَمَنْ بَجِسْمِي وحالي عِنْدَهُ سَقَمُ
فَلَمّا وَصَلَ إلَى بَيْتِهِ المَشْهُور:
اللَّيْلُ وَالْخَيْلُ وَالْبَيْداءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ والرُّمْحُ والقِرْطاسُ وَالْقَلَمُ
فَقالَ لَهُ أَبو فِراسٍ حاسِدُهُ:
وَماذا أَبْقَيْتَ لِلأميرِ؟
فَتَناوَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ دَواةً ورَمَى بِها تُجاهَ رَأْسِ الشّاعِرِ، فَأطْرَقَ المتنبِّي بُرْهَةً ثُمَّ قالَ عَلَى البديهَةِ:
إنْ كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا
فَما لِجُرْحٍ إذا أَرْضاكُمُ أَلَمُ
وَبَعْدُ،
فَهذا أَدَبٌ جميلٌ رفيعٌ يَكْشِفُ عَنْ قُدُراتِ أسلافِنا وَرُموزِنا العَقْلِيَّةِ، وَهوَ موجودٌ في الأدَبِ المنثورِ، فَالتَّفتيشُ عَنْهُ كالتَّفْتيشِ عَنِ الذَّهَبِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

✿✿✿✿((لاتيأسْ))✿✿✿✿ بقلم...عدنان الحسيني

رحيل عبر الأثير... بقلم... دنيا اليوسف

بقلم...فؤاد جاسب ليس جرما