بقلم... أ.د. لطفي منصور أَعْرابِيٌّ يَصِفُ حالَتَهُ عِنْدَما شاخَ:
بقلم... أ.د. لطفي منصور
أَعْرابِيٌّ يَصِفُ حالَتَهُ عِنْدَما شاخَ:
................
هو الشّاعِرُ الجاهليُّ الْمُعَمَّرُ الرَّبِيعُ بنُ ضَبُعٍ الْفَزارِيُّ. كانَ الرَّبيعُ من فُرْسانِ قوْمِهِ بني فَزارَةَ، يُقالُ إنَّهُ أدْرَكَ مُعاوِيَةَ، وقِيلَ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مروانَ، وله ذِكْرٌ في الإصابةِ لابن حَجَرٍ (٢: ٥١٠)
إذًا هو مِنَ المخضْرَمينَ، غَيْرَ أنِّي لا أذْهَبُ إلى هذا، لِأنَّ ابنَ حّجَر شَكَّ في صُحْبَتِهِ وفِي حديثِه مع عبدِ الملك، بِأنَّهُ عاشَ أكثر من مِائَتَيْ سنةْ، واتَّهَمَهُ بِالْخَرَفِ. كما أنَّنا لم نجدْ لَهُ شِعْرًا في الإسلام. والَّذينَ تَرْجَمُوا له وهم أبو حاتَمٍ السجستاني في كتابِ المعمَّرين (ص: ٨-٩)، وعبدُ القادر البغدادي (ت ١٠٩٢هج) صاحِبُ خِزانَةِ الأدَبِ، وابنُ حَجَرٍ ت ٨٥٢ هج) اعتمدوا على كتابِ التِّيجانِ في ملوكِ حِمْيَرٍ لوهبِ بنِ مُنَبِّه صاحب الإسرائيليّات ت ١١٠ هج) ونقلَهُ عنه عَبْدُ المَلِكِ بنُ هشام صاحِبُ تهذيب السيرِةِ النَّبَوِيَّةِ ت ٢١٨ حج) أَقولُ: وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ من المشكوكِ في رواياتهِم. فاعلموا هذا، واعرفوا أنَّ الثّالوثَ كعبَ الأحبار، ووَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ وأخاهُ هَمّامَ بنَ مُنَبِّهٍ هم من مُسْلِمَةِ اليهودِ اليَمَنِيِّينَ الذين أدخلوا الإسرائيليّاتِ إلى الرِّوايَةِ الإسلاميَّةِ
فاحذَروا.
اشتهرَ الرَّبيعُ بِقِطْعَتَيْنِ شِعْرِيَّتَيْنِ:
الأُولَى وَصَيَّتِهِ لِأَولادِهِ عندما هَرِمَ وهي همزيَّةٌ.
الثّانيَةُ وهي رائيَّةٌ، وصْفُهُ لِحالِهِ عندَما ضَعُفَ وأحَسَّ بِالْعَجْزِ.. وكلتاهما من الشِّعْرِ الجَيِّدِ.
القطعةُ الأولَى: من الوافر
- أَلَا أَبْلِغْ بَنِيَّ بَنِي رَبيعٍ
فَأَنْذالُ الْبَنينَ لَكُمُ فِداءُ
- بِأَنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَدَقَّ عَظْمِي
فَلا تَشْغَلُكُمْ عَنِّي النِّساءُ
- فَإنَّ كَنائِنِي لَنِساءُ صِدْقٍ
وَلَا أَلَّى بَنِيَّ وَلَا أَساؤُا
- إِذَا كانَ الشِّتاءُ فَأَدْفِئُونِي
فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتاءُ
- فَأَمَّا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قُرٍّ
فَسِرْبالٌ خَفيفٌ أَوْ رِداءُ
- فَإِذَا عاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عامًا
فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذاذَةُ وَالْفَتاءُ
———
ما أجمَلَها وَصِيَّةً!!
الرّجُلُ يُحِبُّ أولادَهُ، وهم له مُطيعُونَ، ويُثْنِي على كنائنِهِ، وهذا نادِرٌ. وانشغالُ الأبناءِ بنسائهم وارِدٌ حتّى في الجاهليَّة.
تَقَرَّرَ عِنْدَ الشّاعِرِ الشَّيخِ أنَّ الشِّتاءَ خَطَرٌ عليه، فهو يحتاجِ إلَى تدفِئَةٍ، وفِي الصيفِ تلزمُهُ الثِيابُِ الخفيفةُ الضّافِيَةُ كالسرابيلِ والأرديةِ.
أنذالُ البنينَ يعني الْعاقِّينَ.
ألَّى بنِيَّ: أَبْطَأًُوا وتَهاوَنُوا. ينفي عن أبنائِهِ ذلك.
الفتاءُ: الشَّبابُ ومنه الفتى.
———
القصيدة الثانية وهي رائِيَّة تتكوَّنُ من ثمانيةَ عَشَرَ بيتًا من بحرِ المنسرِح
( مستفعلن فاعِلاتُ مستفعلن)
سأختارُ منها أبياتًا تصِفُ ضَعْفَه.
يخاطِبُ الشّاعِرُ فيها امرأتَه أمَيْمَ ، ترخيم أُمَيْمَة:
- لا تعجبي يا أُمَيْمَ مِنْ صِفَتي
فَقَبْلُ ما كُنْتُ أخْسِفُ الْقَمَرا
- أصْبَحَ مِنِّي الشَّبابُ قَدْ حَسِرا
إِنْ يَنْأَ عَنِّي فَقَدْ ثَوَى عُصُرا
- وَدَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ
لَمَّا قَضَى مِنْ جِماعِنا الوَطَرا
- أَصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا
أَمْلِكُ رَأْسَ البَعيرِ إِنْ نَفَرَا
- والذِّئْبَ أَخْشاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ
وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّياحَ وَالْمَطَرا
- مِنْ بَعْدِ ما قُوَّةٍ أَسْرِ بِهَا
أَصْبَحْتُ شَيْخًا أُعالِجُ الْكِبَرا
- هَلْ أنا آمُلُ الْخُلودَ وَقَدْ
أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجُرا
- أبا امْرِئِ الْقَيْسِ هَلْ سَمِعْتَ بِهِ ؟
هَيْهاتَ هيهاتَ طالَ ذَا عُمُرا
————
ما في البيتِ الأوّل زائدة.
حَسَِرَ: زالَ
يَنْأَ: فعلْ مضارع مجزوم وعلامَةُ الجزم حذف حذف حرف العلَّة، أصْلُهُ يَنْأَى ومعناه بَعُدَ.
عُصُرا جمعُ عُصْرٍ. ثَوَى: أقامَ. إذا ذَهَبَ عَنِّي الشَّبابُ فقد بقي عندي عصورًا.
الوَطَرُ: الحاجةُ.
قُوَّة أسْرِ بها: أسيرُ بها ليلًا.
حُجُر: ملك كِنْدَةَ وهو والدُ امرئِ القيسِ أميرِ الشِّعْرِ العربي.
هيهاتَ: اسم فعل ماضٍ معناهُ بَعُدَ.
طالَ ذَا عُمُرا : عُمِّرَ طَويلا.
تعليقات
إرسال تعليق