بقلم...أ.د. لطفي منصور خاطِرَةٌ:
بقلم...أ.د. لطفي منصور
خاطِرَةٌ:
............
عِنْدَما أَقْرَأُ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ الَّذِي يَصِفُ اللَّيْلَ فيهِ وَيَقُولُ: مِنَ الطَّويل
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْواعِ الْهُمومِ لِيَبْتَلِي
أَسْأَلُ نَفْسِي: لِماذا يَخافُ النّاسُ مِنْ عَتَمِ اللَّيْل وَظُلْمَتِهِ؟
لِنَرَ قَبْلَ الإجابَةِ ما ذا يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ زَعِيمُ شُعَراءِ الْجاهِلِيَّةِ، وَصاحِبُ الْأَثَرِ الْكَبيرِ عَلَى الشُّعَراءِ الَّذينَ جاءُوا بَعْدَهُ. يَصِفُ الشّاعِرُ اللَّيْلَ بِمَوْجِ الْبَحْرِ . فَما هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ؟ يَقولُ الَّذينَ يَسْرونَ في اللَّيْلِ إنَّ الظَّلامَ لَهُ دَفَعاتٌ بِفِعْلِ الرِّيحِ وَتَمَوُّجاتٌ رَهِيبَةٌ كَأمْواجِ الْبَحْرِ. وَ قَدْ أَطْلَقَتِ الْعَرَبُ عَلَى اللَّوْنِ الأَخْضَرِ الْكَثيفِ الْخُضْرَةِ اسْمَ السَّوادِ فَقالُوا: سَوادُ الْعِراقِ، لِلْمَناطِقِ كَثيفَةِ النَّخيلِ.
السُّدولُ جَمْعُ سَدْلٍ ، وهيَ سَتائِرُ بَيْتِ الشَّعْرِ، تُرْفَعُ نَهارًا وَتُسْدَلُ لَيْلًا، فَيَسودُ الظَّلامُ أرْجاءَ الْخِباءِ.
بِأَنْواعِ: الباءُ حَرْفُ الْجَرِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ أَرْخَى وكثيرًا ما تَثورُ الْهُمُومُ باللَّيْلِ، عِنْدَما يَخْلُدُ الإنْسانُ إلَى السَّكينَةِ، فَيَصْفُو ذِهْنُهُ وَعَقْلُهُ وَعَواطِفُهُ، وَيَأْخُذُ في مُراجَعَةِ ما عَلَيْهِ مِنَ الْهَمِّ، وَيَدْخُلُ في قَلَقٍ شَديدٍ يَدْفَعُ عَنْ مُقْلَتَيْهِ الْوَسَنَ.
النََهارُ مُتَّسِعٌ واللَّيْلُ مُنْقَبِضٌ. يُمْكِنُ الإنْسانَ أنْ يَلْهُوَ في النَّهارِ فَيَنْسَى قَليلًا مِمّا عَلَيْهِ مِنْ هَمٍّ وَغَمّ، أمّا في اللَّيْلِ وَخاصَّةً لَيالي الشِّتاءِ فَالإنْسانُ فَريسَةٌ لِهُمومِهِ وَما عَلَى صَدْرِهِ مِنْ ثِقَلِ الأَحْداثِ.
اُمٍْرُؤُ الْقَيْسِ مَعْذورٌ إنْ شَكا اللَّيْلَ الطَّويلَ، فَقَدْ ذَكَرَ هذا في شِعْرِهِ: مِنَ الطَّويل
بَكَى صاحِبي لَمّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ
وَأَيْقَنَ أنّا لاحِقانِ بِقَيْصَرا
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنّنا
نُطالِبُ مُلْكًا أوْ نَموتَ فَنُعْذَرا
فالرَّجُلُ يَسْعَى لِارْتِدادِ مُلْكِهِ حَتَّى لَوٍْ كانَ الْمَوْتُ دونَ ذَلِكَ، وفي هذا عِبْرَةٌ لِلْأَجْيال.
وَمِثْلُهُ قالَ أبو فِراس:
وَنَحٍنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنا
لنا الصَّدْرُ دُونَ الْعالَمينَ أَوِالْقَبْرُ
أمّا مَوْضوعُ الْخَوْفِ مِنْ ظَلامِ اللَّيْلِ، فَقَدُ ذَكَرَ عُلَماءُ الْجِنْسِ الْبَشَرِي أنَّ هَذِهِ الْخَشَيَةَ شَيْءٌ غَريزِيٌّ يُولَدُ مَعَ الإنْسانِ، وَمَصْدَرُهُ الإنْسانُ القَديمُ الأَوَّلُ الذي كانَ يَخْشَى مخاطِرَهُ، وَكانَ يَأْوِي إلَى الْكُهوفِ لِيَحْتَمِيَ بِها، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ فَنَّ الْبِناءِ. وَهَذا الْخّوْفُ هو الَّذِي دَفَعَ الإنْسانَ إلَى الْمُعْتَقَداتِ الدِّينِيَّةِ وعِبادَةِ الآلِهَةِ قَبْلَ أَديانِ التَّوْحيدِ.
وَعَلَّلَ الْعُلَماءُ نَظَرِيَّتَهْم الْقائِلَةَ بِغَريزَةِ الْخَوْفِ بِالطِّفْلِ الرّضيعِ الَّذِي لا يَعْرِفُ الْخَوْفَ إذا انقَطَعَ عَنْهُ النُّور فَجْأَةً في غُرْفَةٍ مُضاءَةٍ وَحَلَّ الظَّلامُ يَصْرُخُ وَيبْكِي.
تعليقات
إرسال تعليق