بقلم... أ.د. لطفي منصور خاطِِرَةٌ:
بقلم... أ.د. لطفي منصور
خاطِِرَةٌ:
..............
مِسْكِينٌ أَنْتَ أَيّْها الإنْسانُ، عِنْدَما تَخْتَلِي بِنَفْسِكَ لِتُجْرِي أمامَكَ شَريطَ مَوْكِبِ أَحْبابِكَ وَأَعِزّائِكَ وَخِلّانِكَ الَذينَ دَرَجُوا إلَى الْبَرْزَخِ، لِتَعيشَ لَحَظاتٍ في ذِكْراهم، وَأَنْتَ عَلَى عَتَبَةِ عيدٍ أوْمناسَبَةٍ، فَيَتَرَقْرَقُ الدَّمْعُ في عَيْنَيْكَ، أوْ يَحارُ فيهِما ماؤُهُما. عندَئِذٍ تَفْزَعُ إلَى تجارِبِ الماضِينَ في مواجَهَةِ ما أصابَهُمْ مِنْ رُزْءٍ.
لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ الرُّومِي!! كَمْ أَسالَتْ أَبْياتُكَ الشِّعْريَّةُ الدَّمْعَ مِنْ عِيُونِنا وَمَآقِينا، عَلَى أَحِبَّتِنا وَأَعِزّائِنا الَّذينَ يَسْكُنونَ قُلوبَنا
بُكاؤُكُما يَشْفي وَإنْ كانَ لا يُجْدِي
فَجودا فَقَدْ أَوْدَى نَظِيرُكُما عِنْدِي
أَلا قاتَلَ اللَّهُ الْمَنايا وَرَمْيَها
مِنَ الْقَوْمِ حَبّاتِ الْقُلوبِ عَلَى عَمْدِ
طَواهُ الرَّدَى عَنِّي فَأَضْحَى مَزارُهُ
بَعِيدًا عَلَى قُرْبِ قَريبًا عَلَى بُعْدِ
تَوَخَّى حِمامُ الْمَوْتِ أَوْسَطَ صِبْيَتِي
فَلِلَّهِ كَيْفَ اخْتارَ واسِطَةَ الْعِقْدِ
———
أَعْظَمُ ما في الْمَوْتِ ذاكُمُ الْفِراقُ الأَبَدِيُّ الَّذي تَنْتَهِي فِيهِ الْحَياةُ، وَلا يَبْقَى لِقاءٌ بَعْدَهُ إلّا في أضْغاثِ الأحْلامِ، أوْحُلْمِ الْيَقَظَةِ الذي تَسْرَحُ فيهِ الذّاكِرَةُ إلَى ما غَبَرَ مِنَ الزَّمانِ، لِتُوقِظَ الأَسَى مِنْ جَديد.
ما أَعْظَمَ الإنْسانَ!! كَيْفَ يَصْبِرُ عَلَى الرَّزايا وَالْمَصائِبِ، وَلا تَقْتُلُهُ؟؟ وَقَدْ وَصَفَ لَنَا أبو الطَّيِّبِ ثِقَلَ الْحُزْنِ عَلَى النَّفْسِ، لا يَهُمُّنا إنْ كانَ صادِقًا أوْ كاذِبًا، فَوَصَفَ ذَلِكَ اَدَقَّ الوَصْفِ حينَ رَثَى والِدَةَ الأميرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْحَمَدانِيِّ فَقالَ:
رَماني الدَّهْرُ بِالْأَرْزاءِ حَتَّى
فْؤادي في غِشاءِ مِنْ نِبالِ
فَصِرْتُ إذا أَصابَتْنِي سِهامٌ
تَكَسَّرَتِ النِّصالُ عَلَى النَّصالِ
وَهانَ فَما أُبالي بِالرَّزايا
لِأَنِّي ما انْتَفَعْتُ بِأَنْ أُبالي
———
وَقَبْلَ ذَلِكَ بَيْتاه العَظيمانِ:
نَصِيبُكَ في حَياتِكَ مِنْ حَبيبٍ
نَصٍيبُكَ في مَنامِكَ مِنْ خَيالِ
وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنْيا قَديمًا
وَلَكِنْ لا سَبيلَ إلَى الْوِصالِ
وَهَذا أبو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ يقولُ بَعْدَ أنْ فقدَ أَوْلادَهُ الأرْبَعَةَ:
وَإذا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها
أَلْفَيْتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنْفَعُ
وهذا قَطَرِيُّ بنُ الفُجاءةِ يُعَلِّمُنا الصَّبْرَ في المصائِبِ:
فَصَبْرًا في مَجالِ الْمَوْتِ صَبْرًا
فَما نَيْلُ الخُلودِ بِمُسْتَطاعِ
سَبيلُ الْمَوْتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ
وَداعيهِ لِأَهْلِ الأَرْضِ داعِ
———
أَسْعَدَ اللَّهُ أوْقاتكم كُلَّها، وَجَنَّبَكُم كُلَّ ما تَكْرَهونَ.
تعليقات
إرسال تعليق