بقلم... أ.د. لطفي مَنصور خاطِرَةْ: زِيارَةٌ أجْمَلُ مِنْ إمارَة:

بقلم... أ.د. لطفي مَنصور

خاطِرَةْ:
زِيارَةٌ أجْمَلُ مِنْ إمارَة:
......................
كُنْتُ عَلَى مَوْعِدٍ أنْ يَزورَني هذا الْيَوْمَ ضُحَى السَّبْتِ، صَديقانِ حَميمانِ مِنْ أَقْرَبِ الْخَلائِقِ إلَى قَلْبِي هُما الأُستاذُ الأَديبُ الشّاعِرُ الْكاتِبُ الْمُعَلِّمُ عبدُ الرَّحيم الشيخ يوسُف أبو بَشير، والثّاني أحَدُ زُمَلائي في كُلِّيَّةِ بيت بيرل الأُسْتاذُ العالِمُ الْمُرَبِّي الْمُؤلِّفُ في أَدَبِ الأطْفالِ وغيرِهِ، صاحِبِ المُروءَةِ وَالْخُلُقِ النَّبيلِ أحْمَدْ عازم أبو محمود. وكِلاهُما مِنْ طَيِّبَةِ الِاسْمِ، حَفِظَهُما اللَّهُ وَأَبْقاهُما نِعْمَةً لِلطَّلَبَةِ والدّارِسينَ.
زٍيارتتُنا الإخْوانيَّةُ عادَةً تَجْرِي بِلا تَكْليفٍ يُذْكَرُ، إلّا أَشْياءَ لَها عَلاقَةٌ بالْعِلْمِ والثَّقافَةِ؛ كَكِتابٍ أّلَّفْناهُ، أوْ مَقالَةٍ كَتَبْناها، أوْ قَصيدَةٍ نَظَمَها أَحُدُ شُعَرائِنا، وَمِثْلِ هذا.
رَحَّبْتُ بِالضََيْفَيْنِ الْعَزيزَيْنِ أَجْمَلَ تَرْجيبٍ اللَّذَيْنِ جاءا يَطْمَئِنّانِ عَلَى صِحَّتي بَعْدَ عَمَلِيَّةٍ جِراحِيَّةٍ أَجْرَيْتُها في الْعَيْنَيْنِ.
رَأَيْتُ أبا بَشيرٍ يُمْسِكُ بِيُسْراهُ ظَرْفًا كَبيرًا:
- ما هذا يا أبا بشيرُ؟ ليسَتْ عادَتُنا؟!
- نَعَمْ لَيْسَ لَيْسَ جِئْتُكَ بِمُفاجَأَةٍ تَسُرّْكَ. قالَها ونحنُ لا نَزالُ وُقوفًا في مَدْخَلِ الْمَنْزِلِ.
- ما المُفاجَأَةُ أَبا بَشير؟؟؟
قالَ الأُسْتاذ أحْمَد عازِم: حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى سَلامَتِكَ، هل تسمَحْ لنا بالدُّخولِ؟ إنِّي مُشْتاقٌ لِرُؤيَةِ الْمَكْتَبَةِ.
- البيتُ بَيْتُكُما تَفَضَّلا عَلَى الرُّحْبِ والسَّعَةِ.
وَبَعْدَ أنْ تَمَكَّنّا مِنْ مقاعِدِنا، وَدَخَلَتْ رَبَّةُ البَيْتِ بِالْقَهْوَةِ مُرَحِّبَةً بالضَّيْفَيْنِ الْكَريمَيْنِ، وَسَأَلَتْ عنْ أَخْبارِ عَقيلَتَيْهِما ثُمَّ خَرَجَتْ، سَأَلْتُهُما ماذا في الظَّرْفِ؟
- لَيْسَ لَيْسَ شَيْئًا تَذَكَّرْ لَيْسَ وَعَمَلَها.
أخَذْتُ أُفَكِّرُ في لَيْسَ هَذِه. فَسَأَلْتُ: هَلْ لَيْسَ تَمْلَأُ ظَرْفًا مُنْتَفِخًا كَهذا؟
- نَعَم ، نَعَم، وَأَكْثَرْ!! ماذا حَصَلَ لَكَ أبا رياضْ، هَلْ أنْسَتْكَ الْعَمَلِيَّةُ ما تُحِبُّ وَتَسْأَلُ عَنْهُ؟
- إذًا هو كِتابُ “لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ”
- نَعَمْ. هُوَ ما تَبْغي، وَأنْتَ تُفَتِّشُ عَنْهُ سِنينَ وَلَمْ تَجِدْهُ لِأَنَّهُ مَفْقودٌ. ولقَدْ حَصَلْتُ عَلَيْهِ لِأَجْلِكَ.
لَمْ أصَدِّقْ ما تَرَى عَينايَ النِّصْفَ مُغْمَضَتَيْنِ، واحتَرْتُ بِأَيِّهِما أَنا أسْعَدُ: بِصَديقَيَّ أمْ بِالْكِتابِ الَّذِي أسْأَلُ عَنْه أمْ بِالاثْنَيْنِ مَعًا. فَرَجَحُ الثّالِثُ، وراجَعْتُ قَوْلَ السُّيوطي:
إنَّ الْهَدايا عَلَى مِقْدارِ مُهْديها
لَوْ كانَ يُهْدَى إلَى الإنْسانِ قيمَتُهُ
لَكُنْتُ أُهْدِي لَكَ الدُّنْيا بِما فِيها
كِتابُ “لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ” كِتابُ جَليلٌ أَلَّفَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خالَوَيْهِ (ت ٣٧٠ هج)، خَصْمُنا اللَّدودُ الَّذي شَجَّ بِمِفْتاحٍ كانَ بِيَدِهِ رَأْسَ شاعِرِنا الْعَظيمِ المُتَنَبِّي، في حَلَبَةِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ. بِحُضورِ الأَميرِ. لَكِنَّ كِتابَهُ هذا يَشْفَعُ لَهُ. وَتِلْكَ الشَّجَّةُ كانتٍْ سَبَبًا دَفَعَ ابْنَ خاَوَيْهِ إلَى تَأليف هذا الْكِتابِ.
رُوِيَ عندما قالَ المتنَبِّي عِنْدَما أنْشَدَ بَيْتَهُ:
أَنامُ مِلْءَ جُفوني عَنْ شَوارِدِها
وَيَسْهَهَرُ الْخَلْقُ جَرّاها وَيَخْتَصِمُ
سَأَلَهُ ابنْ خالَوَيْهِ: كمِ اسمًا في الْعَرَبِيَّةِ عَلَى وَزْنِ فُعْلَى؟ فقالَ المتنَبِّي اسمانِ : ظُرْبَى وَحُجْلَى. فقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: كَذَبْتَ، بَلْ أكثَرُ. وَحَدثَتْ الْمَشادَّةُ وكانَ ما كانَ.
قالَ ابْنُ جِنِّي: مَكَثْتُ سَبْعَ لَيالٍ أفَتِّشُ في كُتِبِ اللُّغَةِ فلمْ أَعْثُرْ عَلَى ثالثٍ لَهُما. الظُّرْبَى هو الظُّرُبان حيوان بحجمِ القِطِّ يَعيشُ بجانِبِ بِرَكِ الْماءِ، والْحُجْلَى طائِرُ الْحَجَل.
كِتابُ ابنِ خالَوَيْهِ في مَوْضوعِ تَقْويمِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ، وَتَجَنُّبِ الْخَطَإ في اللَّفظِ، وخاصَّةً مَبْنَى الكَلمَةِ، كَكِتابِ تَهْديبِ الألفاظِ لابنِ السِّكِّيتِ، وكِتابِ إصلاحِ المنطِقِ لَهُ، وَتَهْذيبِ اصْلاحِ الْمَنْطِقِ لِلْإمام التَّبْريزي، وَالْمَشُوفِ المُعْلَمِ لِأبي الْبقاءِ الْعُكْبَري أَحَدِ شُرّاحِ ديوانِ المتنبِّي المهمِّينَ، وكتابِ دُرَّةِ الْغَوّاصِ للحريري صاحِبِ المقاماتِ وغيرِها.
وَكِتابُ “لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ” من القَطْعِ الكبير الضَّخم، يشتَمِلُ عَلَى ٥٩٩ صَفْحَةً، حَقَّقَهُ أحمد عبد الغفور العَطّار، طُبِعَ في مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ سنَةَ ١٩٧٩م.
نموذَجٌ مِنْهُ: ص: ٣٦
“لَيْسَ في كَلامِ الْعَرَبِ: لَيْسَ في كَلامِ الْعَرَبِ:
فَعَلَ فَعَلًا إلَّا سِتَّةَ أَفْعالٍ هِيَ:
طَلَبَ طَلَبًا؛ وَرَفَضَ رَفَضًا، وَطَرَدَ طَرَدًا، وَحَلَبَ حَلَبًا، وَرَقَصَ رَقَصًا.
هذه الأفعالُ جاءَ فيها الْماضي والْمَصْدَرُ مَفْتوحَيْنِ”.
شُكري الجزيل لِضَيْفَيَّ الكريمَينِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

✿✿✿✿((لاتيأسْ))✿✿✿✿ بقلم...عدنان الحسيني

رحيل عبر الأثير... بقلم... دنيا اليوسف

بقلم...فؤاد جاسب ليس جرما