تَفْسِيرُ آيَةُ “سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى... بقلم...أ. د. لطفي منصور
تَفْسِيرُ آيَةُ “سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى...
بقلم...أ. د. لطفي منصور
..............
تَفْسِيرُ آيَةُ “سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلّا ما شاءَ اللهُ” الْآيَةُ السّادِسَةُ مِنْ سُورَةِ “الْأَعْلَى”.
أَتَناوَلُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ بِناءً عَلى أُمْنِيَةٍ لِأَحَدِ مُثَقَّفِينا الَّذينَ أَحْتَرِمُهُمُ وَأُقَدِّرُهُمْ.
سَأَنْهَجُ في تَفْسيرِي لِلْآيَةِ مَنْهَجَ التَّفْسِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِها، لِقَوْلِهِ تَعالَى (إنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلا (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ). لا أَميلُ إلى التَّفْسِيرِ بِالرِّوايَةِ لا لِأَنِّي أَشُكُّ بِها - مَعاذَ اللهِ - لكِنِّي أُفَضِّلُ الْعَرَبِيَّةَ لِأَنَّها لا تَقْبَلُ التَّأْويلَ، وَهِيَ واضِحَةٌ كَما وَصَفَها اللَّهُ سُبْحانَه (لِسانٍ عَرَبِيِّ مُبِينٍ) أَيْ واضِحٌ مَفْهُومٌ.
يَقُولُ سُبْحانَهِ مُخاطِبًا نَبِيَّهُ: (سَنُقْرِئُكَ) يا مُحَمَّدُ الْقِرْآنَ - بِوَساطَةِ الْمَلاكِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ - إذُ لا يُمْكِنُ أَنْ نَنْسُبَ الْإقْراءَ إلى اللهِ تَعالَى لِما فِيهِ مِنَ التَّجْسِيد.
هُنا مَسْأَلَتانِ نَحْوِيَّةٌ وهِي التَّسْوِيفُ السَّرِيعِ بِالسِّينِ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّأْجِيل.
الثّانٍيِةُ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ، وَيَعْرِفُ حُرِوفَ اللُّغَةِ كُلَّها، وَيُؤَيِّدُ هَذا أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ وهِيَ (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ … إقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فِإذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أيْ قِراءَتَهُ. لِأَنَّ كَلِمَةَ "قُرْآن" مَصْدَرُ قَرَأَ عَلى وَزْنِ الْغُفْرانِ . نَقُولُ: قَرَأَ قِراءَةً وَقُرْآنًا. مَصْدَرانِ لِلْفِعْلِ .
أَمّا كَلِمَةُ أُمِّيٍّ وَأُمِّيِّينَ لَمْ يَكُنْ مََعْناها في عَصْرِ النُّبَوَّةِ الَّذينَ يَجْهَلُونَ الْقِراءَةَ، إِنَّما أِطْلِقَتْ عَلى الْأُمَّةِ الَّتي لَمْ يُرْسَلْ لَها نَبِيٌّ وَلا يَمْتَلِكُونَ كِتابًا سَماوِيًّا. وَهَذا ما تُشيرُ إلَيْهِ الْآَيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ (هُوَ الَّذي بَعَثَ في الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتْلُو عَليهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيِعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)
الْأُمِّيُّونَ الْعَرَبُ، كانَ منهمْ مَنْ يُتْقِنْ الْكِتابَةَ وَالْقِراءَةَ، مَكَّةَ وّالْمَدينَةِ والطّائِفِ اخْتارَ مِنْهُمُ النَّبِيُ عَلَيْهِ السَّلامِ أَرْبَعينَ كَتَبَةً لِلْوَحْيِ. يَتْلو: يَقْرَأُ، الْكِتابُ في الْعَرَبِيَّةِ الْكِتابَةُ. قالَ الزُّهْرٍي: "كُنّا نَكْرَهُ كِتابَ الْعِلْمِ حَتَّى أَكْرَهَنا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ الْأُمَراءُ". فَالْكِتابُ الْكِتابَةُ، والْعِلْمُ: الحدِيثُ النَّبَوِي كانوا يَكْرَهُونَ كِتابَتَهُ خَوْفَ أَنْ يَخْتَلِطَ في الْقُرْآنِ.
"فَلا تَنْسَى" النََبِيُّ لا يَنْسَى الْقُرْآنَ' لِأَنَّ اللَّهَ أرادَ ذَلِكَ حَسْبَ الْآيَةِ نَفْسِها.
"إلّا ما شاءَ اللهُ": هُناكَ تَأْوِيلٌ لِهَذا الْقِسْمِ مِنَ الْآيَةِ لَكِنِّي لا أَذْهَبُ إلَيْهِ لِأَني مُلْتَزِمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبِها في التَّفْسيرِ.
أَقُولُ هنا اسْتِثْناءٌ بِإلّا، وَما اسْمٌ مَوْصولٌ بِمَعْنَى الَّذي.
الْمَعْنَى إنَّ اللهَ لا يُنْسِيكَ شَيْئًا مٍنَ الْقُرْآنِ إلّا الَّذي يَشاؤُهُ اللَّهُ.
الْمَقْصُودُ هُنا الْآياتُ الْمَنْسُوخَةُ الَّتي أَبْطَلَ اللهُ حُكْمَها. فَأَصْبَحَتْ كَالْمَنْسِيَّةِ.
فَسِّرُوا الْقُرْآنَ بِالْعَرَبِيَّةِ تُفْلِحُوا. لا تُحَمِّلُوا الْقُرُْآنَ أَكْثَرَ مِمّا يَحْتَمِل. اِبْتَعِدُوا عَنِ التَّفْسِيرِ الْكَوْني وَالْعَدَدِي لِلْقُرْآنِ ، وَالْتَزِمُوا بِعَرَبِيَّتِهِ وَإعْجازِهِ وَبَلاغَتِهِ وَهذا كافٍ لِيَكُونَ مُعْجِزَةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيٍهِ وَسَلَّمَ.
تعليقات
إرسال تعليق